مؤامرة آل الصباح على العراق في 2/8/1990
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخوتي الكرام لقد قام بكتابة هذا البحث القيم الدكتور صباح محمد سعيد الراوي وأنا
أعرضه لكم هنا لأهميته، واستجابة مني لطلبه الكريم، كي تعم الفائدة، فيفهم من
بَعُدَ فهمه ويعلم من قصُرَ علمه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخواني الكرام في منتدى بغداد
العروبة والشهامة والاباء والنخوة والجهاد والبطولة.. بغدادنا العظيمة الكريمة
الصابرة المجاهدة... اشكر لكم قبولكم نشر هذا الملف في هذا المنتدى المحترم وان شاء
الله سأبدأ النشر على حلقات لن تكون طويلة كي لا يمل القاريء من المواضيع الطويلة..
وسنبدأ الان ان شاء الله.
اخوكم ابوالمعتصم
الطبيب الجراح
د. صباح محمد سعيد الراوي
كييف - اوكرانيا
مالم يكن يجول بخاطري أبدا فتح هذا الملف الذي تكثر شجونه على شؤونه، ملف عانى منه
العراق أكثر من أي دولة في هذا العالم وخسر من أبناءه ما لم تخسره دولة أخرى، خسر
من الشهداء أضعافا مضاعفة من عدد سكان قطعة الأرض التي سلخها الاستعمار البريطاني
عنه وزرعها في جنوبه كدويلة هزيلة ذات حكومة كرتونية، حوصر العراق حصارا جائرا لم
يشهد له تاريخ البشرية مثيلا، انقطع عنه الدواء والغذاء وحتى المياه كانت ملوثة
بسبب المواد الكيماوية واليورانيوم، انقطعت عن العراق كل مكونات التقدم والتطور
والاسلحة، صار دولة معزولة عن العالم إلا من قبل بعض الدول التي أبت أن تسير في ركب
أمريكا، لأن أمريكا حاربته، فقد حاربه أيضا كل من سار بركبها وخضع لها، حاربته
أمريكا إعلاميا فحاربه أذنابها إعلاميا أيضا، فصار كل ما تفعله أمريكا يفعله
أذنابها منفذين الأوامر بحذافيرها. حاصر العرب العراق قبل العجم، وحاصره المسلمون
قبل الروم، صار الجميع في ركب أمريكا وساروا ورائها خائفين على عروشهم وفلوسهم
منها، فأطاعوا العبد ونسوا المعبود وظن بعض العرب أن أمريكا بيدها الجنة والنار
والموت والحياة، وكم تعرض العراق للظلم من القربى قبل الغربا، وصدق الشاعر حين قال
: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة في النفس من وقع الحسام المهند.
بلادي واقعة تحت الاحتلال الصهيوصليبي، ولربما يقول قائل من الأولى الآن التركيز
على عمليات الجهاد البطولي في العراق والالتفات الى الأخبار الواردة من هناك والتي
تثلج القلب وتشعرنا جميعا أن يوم النصر قادم بإذن الله. لكن ما دفعني لكتابة هذا
الموضوع ما يلي:
- لانريد ابدا من يكتب لنا تاريخنا، ولانريد الأيادي الصهيونية أو الأيادي التي
تعمل لصالح الصهيونية أن تخبرنا مستقبلا ماالذي حدث وكيف حدث ولماذا حدث وأين حدث
وبسبب من حدث ؟ لذلك آثرت أن أعيد هذا الملف إلى الواجهة لعله يفيد في قراءة
الأحداث المستقبلية في ربطها مع ما مضى من أحداث.وليفهم المواطن العربي أن المؤامرة
على العراق قديمة صفة الموصوف بالقدم، وأن المستعربين نفذوا ما أملي عليهم
بحذافيره.
- أن الاعلام في تلك الفترة بكل اطيافه والوانه وجنسياته كان لصالح ال الصباح
والدولار والدينار، لم تكن هناك وسيلة اعلامية عربية مؤيدة لوجهة النظر العراقية
إلا القليل القليل قياسا بما توفر للطرف الآخر، وبلا شك فإن الدولار لعب لعبته
القذرة بجدارة في ذلك الوقت. فسالت اقلام النفاق والكذب تكتب ما تشاء وتقول ما تشاء
بلا رقيب او حسيب، بل وصل الأمر ببعض الصحفيين المصريين الحقراء (يكرم الشعب المصري
عنهم) ان تطاولوا على الرئيس صدام حسين وعلى عائلته وعلى السيدة ساجدة بكلام يستحي
اقذر البشر من قوله. وعلى هذا فإن المواطن العربي البسيط الذي ليس لديه أي خلفية
سياسية أو وعي بما كان يجري على الساحة العربية من مؤامرات صهيونية صليبية صدق كل
ما يقوله هذا الاعلام المنافق وصار العراقي بنظره بعبعا يخيف او غوريلا ترعب او
مارد شرير خرج من القمقم يريد تدمير العالم بأسره حتى باتت كلمة عراقي كأنها نكرة
لدى البعض، وصار الانتماء الى اعظم بلد في العالم والى البلد الذي علم الدنيا اصول
الحضارة والرقي والتقدم والتمدن تهمة يعاقب عليها أبناء العراق اينما حلوا وحيثما
نزلوا.
- تبيان حقيقة ما جرى داخل ارض الكويت نفسها من قبل ابناء الشعب في الكويت وكيف
واجهو جيشنا وماذا فعل بعض جنود الجيش العراقي هناك وكيف عوقبوا اذا ما ثبتت تهمة
المخالفة على واحد منهم، ففي هذه الأيام وبعد مرور أكثر من ثلاثة عشر عاما على
الأزمة لا زلنا نسمع ونقرأ ونرى عدد لا يستهان به من الحقائق المقلوبة والمغلوطة
والكاذبة والتي لفقها عملاء واذناب ال الصباح سواء من كان مواليا لهم او مواليا
لدولاراتهم وخصوصا قبل بدء العدوان واجتياح العراق، ذلك أنهم ربطوا الماضي بالحاضر
وأخذوا ينبشون القديم كي يحركوا القلوب في الصدور ويستدروا العطف عليهم بأن ما
سيحصل للعراق يستحقه كونه ارتكب الفظائع (على حد زعمهم) حين دخل جيشهم الى ارض
الكويت محاولا إعادتها الى الأصل، (ولا أعتقد أن هناك داع لذكر قصة حاضنة الأطفال
وابنة السفير الكويتي التافهة التي كذبها الاعلام الأمريكي ولم يأخذها على محمل
الجد). ولقد رصدت بنفسي أكثر من مائة مقال (حقيقة لا خيال) تهاجم الرئيس صدام حسين
بقسوة، وبعضها في جرائد ومجلات عربية اما صادرة داخل الوطن العربي نفسه او تصدر في
خارج الوطن العربي ولكن بتمويل دول البترودولار وكلها تصب في خانة واحدة ولديها هدف
واحد، الا وهو ان هذا الرجل شر لابد من التخلص منه، وان اسلحة الدمار الشامل
العراقية تشكل خطرا على العالم باسره وخصوصا على أبناء الشعب في الكويت، واذكر هنا
ان صحفيا حقيرا تافها يدعي علي سالم لم يجد حرجا من القول بكل دناءة وصفاقة ووقاحة
ان اسلحة الدمار الشامل العراقية تشكل خطرا على عملية السلام وعلى جميع الأطراف في
المنطقة !!!!!!
- انه عندما بدأ العدوان على العراق العظيم منطلقا من دول الجوار وخصوصا من الجنوب
حيث أرض الكويت، تداولت الصحف ومحطات التلفزة روايات تقول ان الصمود الأسطوري
العظيم للجيش العراقي البطل في ام قصر كان بسبب ان الجنود العراقين الصامدين تعلموا
المقاومة والصمود من أبناء الشعب في الكويت!!!!! ، حيث قاومهم ابناء الشعب عندما
دخل الجيش العراقي، وكانت هذه قمة المهزلة والسخرية… فهل وجد جيشنا رجال عندما دخل
؟ لقد قال أحدهم يوما ما، لو كان فيهم مائة من امثال الشيخ سليمان بوغيث او انس
الكندري (تقبله الله شهيدا) أو هذا أخينا الشهيد أبوالبراء رحمه الله لربما فكر
الجنود العراقيون كثيرا في اطاعة الأوامر وإكمال إحكام الأنتشار والسيطرة على كل
أنحاء الكويت لأننا فعلا ساعتها سنواجه بمقاومة حقيقة رجولية، لكن.. هيهات.. وعندما
أوقف الجنود العراقيون (للأسف) الشيخ سليمان بوغيث، تركوه بعد التحقيق لرجولته
ولإعجابهم بشجاعته ولصدقه ولإيمانه أولا وأخيرا ولأنه حسبما ما قال لي ابن عمي الذي
تولى التحقيق معه مع من تولى أنهم وجدوا أمامهم رجل بكل معنى الكلمة، فلم يملكوا
إلا إطلاق سراحه.
قبل أن أبدا. اعتمدت في هذا البحث على : روايات لشهود عيان منهم اقرباء لي ومنهم
اصدقاء - ما رأيته بأم عيني من معاملة للأسرى في معسكرات الجيش العراقي في بغداد
وغيرها عندما اديت خدمة العلم كطبيب حيث صادف في ذلك الوقت أن عالجت مع باقي
الأطباء العراقيين عدد من الأسرى الجرحى من ابناء الشعب في الكويت - ما نشره
تلفزيون العراق من الوثائق والأفلام التي اكتشفها جيشنا سواء في بيوتات عائلة
الصباح او في مقرات وزارات الخارجية والداخلية والأعلام ومبنى الأمن العام. بعض
الكتب التي أحتفظ بها والتي تحدثت مطولا عما حدث يوم الثاني من أغسطس عام 1990، وقد
قسـمت هـذا الموضوع المطول الى خمسة أقسام تبدأ بـ:
المقدمة وهي عن تاريخ الكويت وال الصباح
أحداث ما قبل دخول الجيش العراقي الى الكويت
دخول الجيش العراقي الى الكويت
العدوان الثلاثيني ثم انسحاب الجيش العراقي
قضية ما يسمى الأسرى الكويتيين في العراق
الخاتمة
على أنني نشرت هذا الموضوع في منتدى القلعة والانبار وواحة العرب وقامت شبكة البصرة
المحترمة بنشر هذا الموضوع لديها على اجزاء، وتعرفت على هذا المنتدى المحترم من
شبكة البصرة نفسها، واشكركم مرة ثانية على قبول نشر هذا البحث لديكم. وكما اسلفنا
سيكون النشر على حلقات ليست مطولة كي لايمل القاريء من الحلقات الطويلة وكي يفهم
بالضبط ماذا حصل وكيف حصل ولماذا حصل..
والله ولي التوفيق..
القسم الأول
المقدمة عن تاريخ الكويت وال الصباح
لا يوجد لدى أي عراقي أدنى شك في أن هذه الأرض هي أرض عراقية كانت ولا زالت
وستبقى الى قيام الساعة، ويروى ان الرئيس صدام حسين أيام العدوان المجوسي على
العراق زار مستشفى للأطفال يتعالج فيه أبناء وأرامل الشهداء العراقيين، فوجد سيدة
عراقية قد وضعت مولودها للتو، فحمل وليدها وسألها هل أذن له أحد ؟ فأجابت بالنفي،
فأذن واقام الصلاة في أذنيه حسب السنة النبوية الشريفة، ثم قال لها : سترضعيه ؟
فأجابت نعم، فأعطاها الطفل وقال لها: أرضعيه ايضا أن الكويت مالتنا..وهذه القصة
تدل على أن كل عراقي يرضع مع حليب امه أن له أرضا مسلوخة في الجنوب لابد أن تعود
يوما ما طال الزمان أم قصر.. عائدون إلى أم قصر.. هذا الذي يقوله العراقيون على
لسان أبناء الشعب في الكويت.
ولكي أعود عودة بسيطة وسريعة الى الوراء لمن لا يعرف أصل هذه العائلة وهذه الأرض
وكيف ومتى وأين أقول:
كانت قبيلة عنزة واحدة من أقوى قبائل نجد في الجزيرة العربية، واليها يقال أن كل
الأسر التي ظهرت فيما بعد وحكمت ووصل نفوذها الى شواطيء الخليج ومراكزها السكانية
المتناثرة هنا وهناك تنتمي إلى هذه القبيلة, وكان فرع العتوب من قبيلة عنزة واحدا
من الفروع، وزعموا أن ال الصباح انتسبوا اليه، على أن هذا الفرع (العتوب) لم ينشأ
في الكويت ابدا وانما في نجد وكان نشاطه مثل نشاط غيره يتمثل في الاغارة على طرق
القوافل أو حمايتها مقابل أتاوة، حسب الظروف وما يستجد، اما أتاوة او مقابلها من
بضائع ومواشي. وتشير دائرة المعارف الاسلامية طبعة سنة 1960 والصادرة عن جامعة
ليدن في هولندا - وهي أهم مركز للدراسات الاسلامية في أوربا - ان فرع ال الصباح
دخل في عراك مع غيره من فروع العتوب و عنزة، وكان أن جرى طرده من نجد وملاحقته
خارجها، فرحل بخيامه ومواشيه الى الشمال الى منطقة ام قصر في العراق، وعاد من
هناك يواصل الغارة على القوافل مما دعا الحاكم في ذلك الوقت باسم الوالي في بغداد
الممثل للخليفة العثماني في استانبول الى طرد ال الصباح من ام قصر بسبب شكاوي
الفلاحين وكان الرحيل من ام قصر امرا حتميا لا بد منه، ولكن هؤلاء الذين رحلوا لم
يستطيعوا العودة الى نجد بسبب الثأر القديم هناك، فما كان منهم إلا ان توقفوا في
منتصف الطريق بين البصرة ونجد.
لكن من أين جائت كلمة كويت ؟
كان العراق ايام الخلافة الاسلامية العثمانية، وكانت أهم الولايات فيه بغداد
والموصل والبصرة، كانت بغداد مقر الوالي العثماني وكانت مسؤوليته تمتد الى البصرة
والى ما بعد البصرة وما وراءها جنوبا الى ما يعرف حاليا بالخليج العربي بل الى
حيث تستطيع قوته أن تمد سلطاتها في عمق الصحارى ولم يكن باقيا في هذه الصحارى الا
بعض قبائل نجد التي تصل الى الشواطيء بين الحين والاخر لتبادل منتجاتها مع التجار
والصيادين الذين أنشأوا مراكز تجمع صغيرة عند نقاط متباعدة على شطآن الخليج
تزورهم فيها أحيانا سفن قادمة من بحر العرب عبر مضيق هرمز تحمل اليهم البضائع
كالأقشمة والتوابل.
في ذلك الوقت كانت هناك منطقة صغيرة تعتبر ميناءا طبيعيا واسعا على رأس الخليج
وكانت من توابع ميناء البصرة العراقي واستخدمت في بعض الاوقات بديلا له، وقام
بجوار هذا الميناء مركز سكاني صغير بني فيه حصن أطلق عليه اسم الكويت تصغيرا
لكلمة (الكوت) وهي تعني الحصن او نقطة المراقبة للدفاع. إذا من هنا جاءت كلمة
ومسمى الكويت.
كان قدر الناس المتواجدين في هذا المركز السكاني الصغير وجلهم من التجار أن
يتركوا عائلاتهم هناك وان يذهبوا الى البحر على متن السفن إما للتجارة اولصيد
السمك واستخراج اللؤلؤ، وفي ظل ظروف غياب الرجال عن بيوتهم فإن عوائل المسافرين
كان لابد لها من وجود من يحميها من قطاع الطرق واللصوص فوجد تجار هذا المركز
السكاني الذي اسمه الكويت أن ال الصباح الذين لجأوا اليهم هاربين من نجد بسبب
العراك والثارات القديمة والمطرودين من والي بغداد بسبب الاغارة على قوافل الطرق،
والذين أثبتوا للسكان فيما بعد انهم اقلعوا عن مهاجمة القوافل وبدأو حياة مستقيمة
نوعا ما وصارت بينهم وبين الأهالي مصاهرة ونسب أنهم خير من يقوم بدور الحماية
للاهالي في ظل غياب الرجال، وكان أن تم الاتفاق والتراضي معهم، اجر مقابل حماية،
لم تكن اسرة حاكمة بالمعنى المعروف للاسرة الحاكمة، وانما أختيرت لهذه المهمة
مقابل جزء معلوم من أرباح التجارة وكأمر واقع فرض نفسه في ظل غياب حارس حقيقي
يحمي العوائل في غياب أربابها لاسيما وان قوات والي البصرة كان هدفها الرئيسي
أمور عسكرية خاصة بالولاية وليست حراسات شخصية، صحيح تعتبر هذه الأراضي تابعة له
وللوالي في بغداد تلقائيا وللخليفة العثماني بالضرورة، إلا أن الأمر يختلف هنا،
فألاجر على حماية عوائل وليس حماية بلد.
واذا أردنا أن نحول هذ الكلام الى لغة العصر الحالي، فالعملية مثل اسئتجار شركات
الحراسة الخاصة.. هناك بدو يحملون البنادق البدائية ويركبون الجمال أو الخيل،
وهنا حراس يرتدون البذلات الانيقة ويضعون النظارات السوداء ويحملون الرشاشات
الاوتوماتيكية وأجهزة الاتصال الحديثة والهواتف المتحركة ويركبون سيارات الرانج
روفر والجيمس. (يمكن تشبيه وضع عائلة الصباح في الكويت بوضع الاشراف الهاشميين في
الحجاز، كانت لهم سلطة دينية فقط وليست سلطة دولة، مع الفرق ان هؤلاء سلطتهم
مستمدة من النسب الذي يرتبطون به أما أولئك فوضعهم في الكويت كان وضع الحارس،
استمدوا سلطتهم من هذا المسمى).
اذا هي تحت ادارة ال الصباح وليس حكم آل الصباح، فالحكم للوالي في بغداد الذي
يعتبر ممثلا للخليفة العثماني.
تعاقب شيوخ ال الصباح على ادارة قوة الحماية في الكويت، وكان
الشيخ السادس منهم قد توفي تاركا ثلاثة أبناء هم محمد - جراح - مبارك، وقد
اختلفوا فيما بينهم على ارث ابيهم، واتفق اثنان منهم هما محمد وجراح واختلفوا مع
الثالث وهو مبارك، وتصاعد الخلاف بينهم على قائمة حساب تحوي عشرين ليرة عثمانية
وسيف معطوب يتكلف اصلاحه تسع ليرات، وذلك حسبما يروي نقيب أشراف البصرة الشريف
خلف باشا النقيب ( بالمناسبة عائلة النقيب في البصرة تعود اليه ولا زالت تحتفظ
بالشجرة الموصلة اليه) وهذه الرواية سمعها منه الشيخ عبد العزيز الرشيد عمدة
المؤرخين التقليديين في الخليج، رواها في كتابه (تاريخ الكويت).
واحتدم الخلاف بين الاخوة بمشادة كلامية على قائمة الحساب تلك، ثم انتهى الى أن
أحد الاخوين المتفقين وهو جراح دخل الى سوق الجزارين في الكويت وصاح مناديا أصحاب
الدكاكين : إياكم أن تعطوا مبارك شيئا، فقد تبين أنه مفلس وعليه ديونا عظيمة،
وحسبما يذكر الشيخ عبد العزيز الرشيد في نفس الكتاب في الصفحة 119(بعد هذا الحادث
صمم مبارك على التضحية بأخويه على مذبح الغضب والانتقام وعلى هتك حرمتهما وقطع
رحمهما واسالة دمائهما الطاهرة) ويصل الشيخ عبد العزيز لوصف عملية الذبح في نفس
الكتاب فيقول : في ليلة من ليالي ذي القعدة المظلمة سنة 1313 للهجرة (1896
ميلادية) بعد أن مضى هزيع من الليل وبعد أن هجع القوم، نهض مبارك مسرعا فقتل
أخويه محمد وجراح يسانده ابناه جابر وسالم، ولفيف من الخدم، وجعل من كان معه
اقساما ثلاثة: هو لأخيه محمد، وجابر وبعض الخدم لأخيه جراح، وابنه سالم وبعض
الخدام حرسا في صحن الدار.
صعد مبارك الى محمد فأيقظه من النوم، وبعد أن انتبه أطلق عليه البندقيه ولكنها لم
تجهز عليه، فاستغاث الاخ بأخيه وذكره بما له من الحق والحرمة، فما وجد ذلك الصوت
المحزن ولا ذلك الاستعطاف الحار سبيلا الى قلب مبارك الذي امتلأ حقدا وغضبا، فصوب
اليه البندقية متصامما عن سماع النداء حتى تركه بلا حراك يتخبط بدمه يوجود بنفسه
العزيزة.
أما جابر فقد ذهب الى عمه في حينه فألفاه يقظا وزوجته بجانبه فسدد البندقية اليه
ولكنها لم تنطلق، فعاجله عمه بالقبض عليه وكان ان ساعدته زوجته في الأمر وكادا
يتغلبان عليه لولا مبادرة أحد الخدام الى مساعدة جابر بتصويب بندقية الى نحر العم
فأرداه صريعا، ووقفت زوجته تبكي وتنوح وتندب عليه.
ونصب مبارك نفسه حاكما على الكويت بينما كان أهلها في حالة ضجيج وعويل لهذه
المصيبة التي لم يحدث لها مثيل.
فذهب بعض أهالي الكويت بعد هذه الجريمة الى البصرة يشتكون الى السلطات هناك ما
وقع في مدينتهم وكذلك فعل الشيخ مبارك الصباح الذي أراد من هذا الذهاب أن يطمئن
والي البصرة ومن ورائه باشا بغداد إلى أنه مقيم على العهد وسيبقى على ولائه
للوالي وللباشا وللخليفة ولن يخلف العهد وكان جل طموحه ان يثبته الخليفة العثماني
في موقعه ويعينه قائممقام على الكويت على أن يكون هذا بتوصية من والي البصرة ثم
باشا بغداد الذي بدوره سيرفع أمره للخليفة في استانبول.
جدير بالذكر أنه لجأ الى والي البصرة أيضا مع من لجأ أبناء وزوجات الشيوخ القتلى،
وقد ظلت عائلاتهم هناك حتى سمح لبعضهم بالعودة بعد عشرات السنين على مرور تلك
الجريمة، وكان من بين العائدين الشيخ علي خليفة الصباح الذي تسلم منصب وزير
المالية الكويتي ثم وزير النفط أثناء مقدمات أزمة الخليج.
لكن بريطانيا (الدولة الاستعمارية الخبيثة وسبب بلاء العرب
والاسلام) لم تكن على استعداد لأن يحزم الخليفة العثماني أمره بتعيين مبارك
الصباح قائممقام أولا يعينه، فيقر ما جرى ويقبل بالواقع ويعين مبارك او يسجنه على
الجريمة التي اقترفها، فظهر الكولونيل البريطاني المعتمد في الخليج ليوقع معاهدة
حماية للشيخ مبارك ضد من يحاول المساس به أو الاعتداء عليه، وكانت هذه المعاهدة
بتاريخ 23/1/1899، وقد ورد ذكرها في مجموعة وثائق وزارة المستعمرات البريطانية عن
الكويت، وبدأت المعاهدة على النحو التالي:
الحمد لله وحده - بسم الله تعالى شأنه
الغرض من تحرير هذا السند الملزم والقانوني هو أنه قد تم التعهد والاتفاق بين
المقدم مالكوم جون ميد حامل وسام الصليب الامبريالي، المقيم السياسي لصاحب
الجلالة البريطانية في الخليج (الفارسي) نيابة عن الحكومة البريطانية من ناحية،
والشيخ مبارك بن الشيخ صباح شيخ الكويت من ناحية ثانية، بأن الشيخ المذكور مبارك
بن الشيخ صباح قد ألزم نفسه هنا بإرادته ورغبته الحرة وورثته ممن يخلفه ألا
يستقبل وكيل أو ممثل أي قوة أو حكومة في الكويت أو أي مكان أخر ضمن حدود أراضيه
دون الموافقة المسبقة للحكومة البريطانية، كما يلزم نفسه أيضا وورثته ومن يخلفه
بأن لا يتنازل أو يبيع أو يؤجر أو يرهن أو يعطي لغرض الاحتلال أو لأي غرض آخر أي
جزء من أراضيه لحكومة أو رعايا أي دولة أخرى دون الموافقة المسبقة لحكومة صاحب
الجلالة. ويشمل هذا الاتفاق أيضا أي جزء من أراضي الشيخ المذكور مبارك، التي قد
تكون في حوزة رعايا أي حكومة في الوقت الحاضر. وتعبيرا عن ابرام هذا السند الملزم
والقانوني، وقع الطرفان المقدم مالكون جون ميد حامل وسام الصليب الامبريالي
والمقيم السياسي لصاحب الجلالة البريطانية في الخليج (الفارسي) والشيخ مبارك بن
الشيخ صباح، الاول نيابة عن الحكومة البريطانية والثاني نيابة عن نفسه وعن ورثته
ومن يخلفه، أمام الشهود بتاريخ العاشر من رمضان عام 1316 الموافق للثالث والعشرين
من كانون الثاني/ يناير 1899
توقيع###########توقيع
م.ج. ميد###########مبارك الصباح
الشهود
ويكهام هور
قبطان السفية الهند لصاحب الجلالة
ج. جاسكن
محمد رحيم بن عبد النبي صفر
لكن الشيخ مبارك لم يقطع على نفسه خط الرجعة وأخذ بالحسبان أن شيئا ما قد يحدث في
يوم ما، لذلك لا بد من ابقاء الخيط موصولا مع الخليفة العثماني أولا ثم مع والي
بغداد وعامله في البصرة ثانيا، وظل يحاول الحصول على اعتراف من السلطان العثماني
بحكمه، وحينما راجعه المعتمد البريطاني في شأن اتصالات يجريها مع استانبول كان
رده: انه يملك مزارع نخيل في الفاو (في العراق) تدر عليه دخلا قدره أربعة ألاف
جنيه في السنة اشتراها من مدخراته، وعلقت صحيفة التايمز في ذلك الوقت على هذا
الخبر بقولها ( ان الشيخ يريد قدما في المعسكر العثماني وقدما في المعسكر
البريطاني) ولم تكن نتيجة الصراع بين المعسكرين بحاجة الى ذكاء لمعرفة النتيجة،
فنجم لندن كان يعلو يوما بعد يوم، بينما نجم العثمانيين بدأ يخبو وأذنت شمسهم أن
تغيب، ولا يخفى على اي متتبع للتاريخ في ذلك الوقت المؤامرات اليهودية التي كانت
تحاك ضد دولة الخلافة الاسلامية من كل جانب بعد رفض السلطان المرحوم عبد العزيز
بيع فلسطين لليهود، فالهاشميون في الحجاز مدفوعين من الانجليز من جهة وجماعة
الاتحاد والترقي، والجمعيات العربية السرية التي تكونت على اساس قومي من جهة أخرى
وكان جلها مرتبط بالماسونية في ذلك الوقت، ناهيك عن دسائس ومؤامرات الارمن
والمشاكل الداخلية والافلاس والتذمر.. ومع هذا كله كان الشيخ مبارك حريصا على أخذ
موافقة الخليفة على تثبيته حاكما على الكويت، وبريطانيا في نفس الوقت تدفعه الى
توسيع أراضيه وتقوم بتهديد العثمانيين كلما تعرضوا له، ثم ما لبث الانجليز أن
اقترحوا عليه علما مستقلا يختلف عن علم دولة الخلافة الاسلامية ترفعه سفن الصيد
والتجارة التابعة له. لكن الشيخ مبارك أبدى تخوفه من هذه الخطوة قائلا ان الناس
في الكويت لن تعرف الفرق في التغيير الحاصل، وأن مثل هذا العمل سيضاعف عداوة
العثمانيين لا سيما وأن الكثير من السكان في الكويت لا زال متعلقا بالخليفة
العثماني نظرا لسلطته الدينية وان كانت في تلك الايام الاخيرة قد صارت اسمية أكثر
منها فعلية ولا زالوا يعتبرون الوالي في بغداد هو الممثل الرسمي للسلطان
(الخليفة). لكن المقيم البريطاني بيرسي كوكس ما برح يلح على الشيخ بتبديل العلم
وعرض عليه نماذج من الاعلام لاختيار أحدها، فقرر الشيخ أن يكون علم الكويت هو
العلم العثماني على أن تكتب عليه كلمة كويت بالعربية.
عندما قام ما يسمى الشريف حسين بن عون بالخيانة العربية الكبرى ضد دولة الخلافة
الاسلامية العثمانية بتحرض ودعم من الانجليزوغابت شمس العثمانيين عن الوطن العربي
بعد عام 1916كان المقيم البريطاني بيرسي كوكس قد اصبح السير بيرسي كوكس مفوض
حكومة الهند ومندوبها السامي في الخليج وأتخذ من بغداد مقرا له.
تروي محفوظات الوثائق البريطانية مشهدا غريبا من المشاهد التي تم بها رسم خطوط
بين الكويت ونجد، كان السلطان عبد العزيز ال سعود سلطانا على نجد فقط، وطلب اليه
السير بيرسي كوكس ان يلقاه في منطقة تدعى ((العقير)) لحل مشكلة المنازعات على
الحدود بينه وبين الكويت، وعندما جيء بالشيخ والسلطان قام بيرسي كوكس وأمسك قلما
ورسم خطا على خريطة واصبح هذا الخط حدودا دولية، وكان خط الحدود مع العراق أصعب ،
ذلك أن العراق كان كيانا أظهر وأكبر. وعلى أي حال فقد كان السير بيرسي كوكس
ومساعدوه هم الذين اختاروا بمساعدة المكتب البريطاني في القاهرة ملكا هو فيصل بن
الحسين الذي تولى عرش العراق باسم فيصل الاول، وذلك بعد أن طرده الفرنسيون من
سوريا عقب غزوهم لها في عام 1920 اثر معركة ميسلون الشهيرة.
على أن فيصل الذي تولى حكم العراق بإرادة بريطانية لم يستطع أن يقبل خط الحدود
الذي وضعته السلطات البريطانية فاصلا بين العراق والكويت وكذلك فعل رجال بريطانيا
في بغداد وأولهم نوري السعيد باشا. ومات الملك فيصل وجاء بعده ابنه غازي واذا به
يأخذ موضوع تبعية الكويت للعراق بمنتهى الجدية إلى درجة أنه أمر بإنشاء إذاعة
خاصة في قصر الزهور راح يذيع منها بيانات تنادي بعودة الكويت إلى الوطن الأم
العراق. ويكشف تقرير يحمل رقم(23180/371) بعث به السير موريس بيترسون (المندوب
السامي البريطاني في العراق) أن بيترسون احتج على نوري السعيد بسبب هذه الاذاعة
الموجهة من قصر الزهور وجاء في التقرير ما يلي:
(( أخبرني الجنرال نوري السعيد الذي كان مع الملك طيلة هذا الصباح بأن البث من
إذاعة القصر سببه تسلم الملك برقيات معنونة إليه شخصيا عن هذا الموضوع. وقد عبرت
الحكومة الموالية لنا عن أسفها لاستمرار هذا البث، وأعربت عن أملها أن ذلك سوف
يتوقف. وقلت إن الصحف العراقية ما زالت تنشر المقالات تلو المقالات التي تنادي
بعودة الفرع إلى الأصل والتي يقول كاتبوها إن هذه أرض عراقية مائة بالمائة وأن
أهلها هم عراقيون ويجب إعادتها الى الوطن الأم بأي شكل، وبأن طلبة كلية الحقوق في
بغداد قد طالبوا السماح لهم بالقيام بتظاهرات تنادي بعودة الفرع للأصل، وأن هذا
الذي يحصل من محاولات السلخ وإقامة كيان منفصل عن الكيان العراقي يجب أن يتوقف.
ثم أظهرت استغرابي من أن الصحف العراقية كلها تطلب من الحكومة العراقية تسليح
الجيش العراقي بشكل جيد كي يتمكن من استعادة الكويت وضمها الى الوطن الأم)).
ويأخذ هذ الموضوع حيزا واسعا في تقارير المندوب السامي التي كان يرسلها بشكل شبه
يومي، ولم يتوانى المندوب السامي البريطاني عن توجيه إنذار مباشر للملك غازي بأن
التفكير بموضوع الكويت يجب أن يتوقف.
وعشية اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 قتل الملك غازي في حادث سيارة مريب
في قصر الزهور نفسه، وراجت اقوال وشائعات على أن الملك لقي مصرعه بسبب مشكلة
الكويت نفسها وإلى حد كبير كانت هذه الشائعات صحيحة، فقد تبين أن مقتل الملك لم
يكن بسبب اصطدام سيارته بعمود داخل القصر وانما بسبب ضربة مفاجئة من فأس تلقاها
على مؤخرة رأسه، وقد أكد هذا الأمر العديد من الضباط والاطباء العراقيين الذين
حاولوا فعل شيء لانقاذ حياة الملك.
ظلت القضية معلقة تظهر وتختفي حتى جائت سنة 1958 وفي وقائعها ذلك الفوران الشديد
الذي عاشته المنطقة العربية بقيام الوحدة بين مصر وسوريا، ثم محاولة الملوك في
بغداد وعمان اعلان قيام اتحاد هاشمي ليجمع بين البلدين، وتكشف الوثائق البريطانية
ان البلدين طالبا الحكومة البريطانية بحل مشكلة العلاقات بين العراق والكويت .
وفي شهر يونيو عام 1958 كتب السفير البريطاني في بغداد الى حكومته ما يلي:
(( أنه سمع أن هناك تفكيرا بأنه اذا لم توافق الحكومة البريطانية على الطلب
الهاشمي، فإن الاتحاد الجديد يستطيع أن يتدخل ويضم الكويت إليه، عارفا أن
بريطانيا لن تستطيع عمل شيء لمقاومة ذلك، وإلا كان معناه أنها ستحارب الطرف
العربي الوحيد الذي يساندها في عدائها وحربها لجمال عبد الناصر الذي يطارد بقايا
نفوذها في المنطقة بعد معركة السويس، والذي سيجد له أنصارا كثيرين بين العناصر
القومية والثورية في الدويلات الناشئة على شواطيء الخليج)).
لم تمض أسابيع على هذا الكلام حتى قامت ثورة 14 يوليو 1958 في العراق وانتهى
الحكم الملكي بالنهاية المأساوية إياها وبدأ حكم اللواء عبد الكريم قاسم، وبدوره
قام اللواء عبد الكريم بفتح موضوع تبعية الكويت للعراق، فاثاره في مناسبة اتفاق
تم التوصل إليه بين بريطانيا وشيخ الكويت سنة 1961 يقضي بإعلان إمارة الكويت دولة
مستقلة، وتقدمت الدولة الجديدة لعضوية الأمم المتحدة ولعضوية جامعة الدول
العربية، لكن عبد الكريم قاسم ما لبث أن حشد الجيش العراقي حول البصرة مهددا
بالتدخل العسكري لإعادة الكويت إلى العراق، حينها حاول الانجليز تأخير انسحاب
قواتهم من الكويت وأعادوا بعض القوات التي انسحبت عائدة الى لندن.
وكان خط الحدود مع العراق أصعب ، ذلك أن العراق كان كيانا أظهر
وأكبر. وعلى أي حال فقد كان السير بيرسي كوكس ومساعدوه هم الذين اختاروا بمساعدة
المكتب البريطاني في القاهرة ملكا هو فيصل بن الحسين الذي تولى عرش العراق باسم
فيصل الاول، وذلك بعد أن طرده الفرنسيون من سوريا عقب غزوهم لها في عام 1920 اثر
معركة ميسلون الشهيرة.
على أن فيصل الذي تولى حكم العراق بإرادة بريطانية لم يستطع أن يقبل خط الحدود
الذي وضعته السلطات البريطانية فاصلا بين العراق والكويت وكذلك فعل رجال بريطانيا
في بغداد وأولهم نوري السعيد باشا. ومات الملك فيصل وجاء بعده ابنه غازي واذا به
يأخذ موضوع تبعية الكويت للعراق بمنتهى الجدية إلى درجة أنه أمر بإنشاء إذاعة
خاصة في قصر الزهور راح يذيع منها بيانات تنادي بعودة الكويت إلى الوطن الأم
العراق. ويكشف تقرير يحمل رقم(23180/371) بعث به السير موريس بيترسون (المندوب
السامي البريطاني في العراق) أن بيترسون احتج على نوري السعيد بسبب هذه الاذاعة
الموجهة من قصر الزهور وجاء في التقرير ما يلي:
(( أخبرني الجنرال نوري السعيد الذي كان مع الملك طيلة هذا الصباح بأن البث من
إذاعة القصر سببه تسلم الملك برقيات معنونة إليه شخصيا عن هذا الموضوع. وقد عبرت
الحكومة الموالية لنا عن أسفها لاستمرار هذا البث، وأعربت عن أملها أن ذلك سوف
يتوقف. وقلت إن الصحف العراقية ما زالت تنشر المقالات تلو المقالات التي تنادي
بعودة الفرع إلى الأصل والتي يقول كاتبوها إن هذه أرض عراقية مائة بالمائة وأن
أهلها هم عراقيون ويجب إعادتها الى الوطن الأم بأي شكل، وبأن طلبة كلية الحقوق في
بغداد قد طالبوا السماح لهم بالقيام بتظاهرات تنادي بعودة الفرع للأصل، وأن هذا
الذي يحصل من محاولات السلخ وإقامة كيان منفصل عن الكيان العراقي يجب أن يتوقف.
ثم أظهرت استغرابي من أن الصحف العراقية كلها تطلب من الحكومة العراقية تسليح
الجيش العراقي بشكل جيد كي يتمكن من استعادة الكويت وضمها الى الوطن الأم)).
ويأخذ هذ الموضوع حيزا واسعا في تقارير المندوب السامي التي كان يرسلها بشكل شبه
يومي، ولم يتوانى المندوب السامي البريطاني عن توجيه إنذار مباشر للملك غازي بأن
التفكير بموضوع الكويت يجب أن يتوقف.
وعشية اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 قتل الملك غازي في حادث سيارة مريب
في قصر الزهور نفسه، وراجت اقوال وشائعات على أن الملك لقي مصرعه بسبب مشكلة
الكويت نفسها وإلى حد كبير كانت هذه الشائعات صحيحة، فقد تبين أن مقتل الملك لم
يكن بسبب اصطدام سيارته بعمود داخل القصر وانما بسبب ضربة مفاجئة من فأس تلقاها
على مؤخرة رأسه، وقد أكد هذا الأمر العديد من الضباط والاطباء العراقيين الذين
حاولوا فعل شيء لانقاذ حياة الملك.
ظلت القضية معلقة تظهر وتختفي حتى جائت سنة 1958 وفي وقائعها ذلك الفوران الشديد
الذي عاشته المنطقة العربية بقيام الوحدة بين مصر وسوريا، ثم محاولة الملوك في
بغداد وعمان اعلان قيام اتحاد هاشمي ليجمع بين البلدين، وتكشف الوثائق البريطانية
ان البلدين طالبا الحكومة البريطانية بحل مشكلة العلاقات بين العراق والكويت .
وفي شهر يونيو عام 1958 كتب السفير البريطاني في بغداد الى حكومته ما يلي:
(( أنه سمع أن هناك تفكيرا بأنه اذا لم توافق الحكومة البريطانية على الطلب
الهاشمي، فإن الاتحاد الجديد يستطيع أن يتدخل ويضم الكويت إليه، عارفا أن
بريطانيا لن تستطيع عمل شيء لمقاومة ذلك، وإلا كان معناه أنها ستحارب الطرف
العربي الوحيد الذي يساندها في عدائها وحربها لجمال عبد الناصر الذي يطارد بقايا
نفوذها في المنطقة بعد معركة السويس، والذي سيجد له أنصارا كثيرين بين العناصر
القومية والثورية في الدويلات الناشئة على شواطيء الخليج)).
لم تمض أسابيع على هذا الكلام حتى قامت ثورة 14 يوليو 1958 في العراق وانتهى
الحكم الملكي بالنهاية المأساوية إياها وبدأ حكم اللواء عبد الكريم قاسم، وبدوره
قام اللواء عبد الكريم بفتح موضوع تبعية الكويت للعراق، فاثاره في مناسبة اتفاق
تم التوصل إليه بين بريطانيا وشيخ الكويت سنة 1961 يقضي بإعلان إمارة الكويت دولة
مستقلة، وتقدمت الدولة الجديدة لعضوية الأمم المتحدة ولعضوية جامعة الدول
العربية، لكن عبد الكريم قاسم ما لبث أن حشد الجيش العراقي حول البصرة مهددا
بالتدخل العسكري لإعادة الكويت إلى العراق، حينها حاول الانجليز تأخير انسحاب
قواتهم من الكويت وأعادوا بعض القوات التي انسحبت عائدة الى لندن.
تكشف وثائق وزارة الخارجية العراقية أنه في شهر يوليو 1961 وقف عدنان الباجه جي
((الذي كان يعتبر من خيرة الدبلوماسيين العراقيين والعرب وابن أحد رؤساء الوزارة
البارزين وهو أحمد حمدي الباجه جي والذي لوث ولطخ سمعته في أواخر سني حياته)) وقف
أمام مجلس الأمن بادئا بطلب رفض شكوى حكومة الكويت من التهديدات العراقية قائلا
(( إن الكويت ليست الآن، ولم تكن في أي وقت في الماضي دولة مستقلة، وقانونيا
وتاريخيا فإن الكويت كانت باستمرار جزءا لا يتجزأ من ولاية البصرة العراقية)) ثم
يمضي حسب الوثائق في شرح الحجج التاريخية والقانونية التي يعزز بها هذا الرأي
كاشفا ان ال الصباح كانوا مجرد حرس لأهالي السكان الذين كانوا يجوبون البحار في
سفنهم إما لصيد السمك او استخراج اللؤلؤ أو للتجارة.
نجح العراق في تعطيل انضمام الكويت الى عضوية الأمم المتحدة لمدة سنتين، رغم ان
العرب ارسلوا قوات لحماية الكويت من الجيش العراقي، وكانت تلك القوات مصرية
بالدرجة الأولى، ولم ينفتح الطريق أمام الكويت لدخول الأمم المتحدة إلا بحملة
علاقات عامة (وخاصة) ودفع رشاوي هنا وهناك تكلفت قرابة مليون دولار في ذلك الوقت،
تضمنت فيما تضمنته تأمين الحصول على أصوات بعض الدول الافريقية والاسيوية الصغيرة
والفقيرة في الجمعية العامة، وتحقق ذلك سنة 1963، وكانت الظروف في العراق على وشك
أن تتغير. وكانت الأزمة وموضوع الكويت مؤجلا أكثر منه منتهيا.( أعاد التاريخ نفسه
عام 1990 عندما قاموا بنفس الدور وراحوا يدفعون المليارات هنا وهناك لأجل شراء
المواقف والذمم والضمائر).
اللقاء مع جمال عبد الناصر
سقط نظام اللواء عبد الكريم قاسم عام 1963 وانتهى الحكم الانفصالي في دمشق بعده
بشهر واحد، وطلب البلدان (سوريا والعراق) وحزب البعث إقامة وحدة مع تجمعهما مع
مصر. وعندما جاء الوفد العراقي برئاسة علي صالح السعدي نائب رئيس وزراء العراق
الى القاهرة للتباحث حول موضوع الوحدة مع جمال عبد الناصر فإن أول موضوع فتحه
العراقيون هو موضوع الكويت وحق العراق الذي لاينازع فيه ولا يمكن التخلي عنه مهما
حصل، وكان الوفد العراقي يحفظ عن ظهر قلب كل الحجج والوقائع التاريخية والوثائق
والخرائط التي تعزز دعاويه، لكن جمال عبد الناصر كان له رأي آخر في الموضوع تلخص
في ((أن ما يطلبه العراقيون حق مشروع ولكن يعتقد أنه الآن قد فات أوانه بعض الشيء
بسبب أن الانجليز لم يعودوا وحدهم يريدون السيطرة على بترول الخليج، وانما هذه
السيطرة انتقلت أكثر إلى أيدي الأمريكان، ولذلك فإن أي أحد يريد أن يضم دولة من
دويلات الخليج فإن أول من سيواجهه هو أمريكا القوة العظمى المتنامية، على ان
الاتحاد السوفييتي نفسه يسلم بأهمية بترول الخليج لأمريكا والغرب عامة، إنكم لا
تعرفون مدى حساسية الغرب تجاه موضوع الكويت، أننا حين أعدنا العلاقات مع
بريطانيا، طلبوا فتح خمس قنصليات في كل من: القاهرة والاسكندرية وبورسعيد ودمشق
وحلب، فطالبنا نحن ايضا بخمس قنصليات في بريطانيا وتوابعها، وطلبنا أن تكون هذه
القنصليات في كل من: لندن وليفربول ودار السلام وعدن والكويت، فوافقوا على كل
المدن الا الكويت.. وقال لنا السير كولين كرو، أبدا إلا الكويت..فهذه المنطقة
بالنسبة لهم ليس فيها هزار....ثم مضى عبد الناصر بشرح الكثير من الوقائع والمخاطر
وخطط الغرب وأمريكا)) والتي تبين فيما بعد أنها كلها صحيحة صادرة من رجل لديه بعد
نظر استراتيجي.
وحين قامت ثورة 17 تموز عام 1968 التي جاءت بحزب البعث الى السلطة في العراق، فإن
هذا الموضوع أيضا لم ينساه الحكام الجدد وإن علقوه لفترة معينة، فقد كان العراق
في تلك الفترة يمر من مرحلة إلى مرحلة، عدا عن التمرد الكردي الذي كان يواجهه
والمدعوم من اسرائيل وايران، فعلقوا الموضوع قليلا لكنهم في قرارة أنفسهم لم
ينسوه أبدا، وبدا كل واحد من المسؤولين العراقيين منهمكا ومنشغلا بمراجعة ما وقع
تحت يديه من وثائق تتعلق بالكويت وكيف نشأتها ومتى حصل ذلك، ملقيا باللوم على
بريطانيا التي أوجدتها كما أوجدت الكيانين الصهيوني والاردني، وعلق أحد المسؤولين
العراقيين البارزين يومها أمام الرئيس أحمد حسن البكر - يرحمه الله - ان بريطانيا
دقت في جسد العرب ثلاثة مسامير قاتلة كفيلة بجعل المارد العربي مريضا لا يقوى على
النهوض ما لم يتخلص من هذه المسامير وهي : الاردن والكويت واسرائيل، وأن المارد
العربي اذا ما أراد العودة إلى أيام المجد القديمة وإقامة الوحدة العربية الكبرى
تمهيدا لقيادة العالم الإسلامي بأسره فإن عليه أولا التخلص من هذه المسامير
وإخراجها من جسده وإعادتها إلى أصولها.
كان لابد من هذه المقدمة عن تاريخ الكويت وكيف انسلخت هذه الدويلة عن العراق وصار
لها كيان مستقل، وأسرة آل الصباح ومن هم واين كانوا وكيف كانوا.
كانت نظرة صدام حسين الى شيوخ الخليج وأمرائها نظرة لا تخلو من
الريبة والشك، وبلا اي شك فقد كان يحتقر بعضهم، فقد كان دائما ما يردد القول إن
هؤلاء القوم يشكلون عبئا على الوطن العربي، وكان يدرك تماما المؤامرات التي
يحيكها البعض ضده بالتعاون مع أمريكا وبريطانيا وخصوصا الكويت. لذلك آثر على نفسه
عدم زيارة تلك الدول مطلقا(زار السعودية للعمرة واجتمع مع فهد بن عبد العزيز)
بل وصل الأمر به مرة أنه أطلق على هذه الدويلات اسم دول الخطأ والخطيئة، او بئر
البترول الذي صار دولة. على أن صدام حسين وللانصاف كان دائم التحدث عن ثلاثة من
الحكام باحترام وتقدير، فإذا ما تحدث عن الوحدة وتوحيد الكيانات الصغيرة كان
يستشهد بعبد العزيز، واصفا إياه بالرجل مرددا القول ما أحوجنا لمثله، وإذا ما
تحدث عن القيادة والحزم كان يذكر فيصل متذكرا موقفه الشهير في حرب تشرين عام 1973
حين اتخذ قرار قطع البترول العربي عن أمريكا والغرب، وإذا ما تحدث الرئيس صدام عن
الزهد في الحكم والتواضع والتدين كان يذكر خالد بن عبد العزيز - يرحمهم الله
جميعا- كان في قرارة نفسه يكن الاحترام لهؤلاء الثلاثة، وكان صدام حسين يرى أن
الخليج العربي يجب أن يكون دولتين فقط، هما العراق والسعودية،
على أن الرئيس صدام حسين ابدى في غير مرة اشادته بالأمير عبد الله واصفا إياه
بالعروبي وبصاحب المواقف الأصيلة، لكنه في نفس الوقت كان دائم القول عند ذكره
بأنه محاصر من قبل السباع السبعة وثعلبهم في واشنطن، وحين سأله أحد أعضاء القيادة
من هم السباع السبعة يا سيدي الرئيس ؟ أجاب : إنهم السديريين السبعة، أما ثعلب
واشنطن فهو أعرف من أن يعرف.
قيام مجلس التعاون العربي
إذا عندما توقفت حرب الخليج الأولى وجد العراق نفسه مرهقا بعد الحرب، شديد القلق
والعصبية، فقد رأى في السنوات الأخيرة من الحرب ان الولايات المتحدة تتجه لوضع
ثقلها في صف إيران، وكذلك بدت اسرائيل نشيطة في العمل ضد العراق، ووجد العراق
نفسه مثقلا بالديون التي بلغت قرابة 60 بليون دولار، وكانت هناك مطالب ملحة في
مجال إعادة إعمار ما دمرته الحرب أو فتح فرص العمل أمام مئات الألوف من الشباب
العائد من خنادق الحرب وكان ظن العراق أنه يستطيع استعادة التوازن كما قلنا من
قبل بفضل البترول، لكن هذه السوق لم تكن على استعداد للاستجابة بهذه السرعة أو
بهذا المقدار.
في ظل هذا الوضع ظهرت الى السطح فكرة انشاء مجلس التعاون العربي وهي ولدت أصلا في
عمان ومنها انتقلت الى بغداد ومنها الى القاهرة ثم اليمن. كان هذا التجمع بالواقع
تجمع اختلافات وليس انسجام مقاصد، وحتى على مستوى القيادات فإن التباين كان واضحا
بينهم، وخلفية كل منهم وتكوينه ونوع سلطته وطموحات نظامه، كان كل منهم في واد.
وبذلك فإن اللقاء بينهم كان حكم ضرورة غير قادر على البقاء وكان من الممكن أن
يؤدي الى انفجار في اول صدمة، وقد بدا تجمع محتاجين تضغط عليهم المشاكل والضرورات
وتملي عليهم أحكامها وتلك هي طبيعة الاحتياج.
أحس السعوديين ان انضمام اليمن أمرا لا يبشر بالخير أبدا، وبأن ذلك ممكن أن
يطوقهم من الشمال ومن الجنوب، فأدركوا أن هذا أمرا مقصودا من حسين، الذي لم يخف
أطماعه بالعودة لحكم الحجاز إن لم يكن بشخصه فبواسطة هاشمي من أهل بيته، مكررا في
الكثير من مجالسه الخاصة أن الأرض أرضهم وأن لا تنازل عنها. لذلك لم يسكت
السعوديين على هذا الأمر ابدا ومضت اسابيع قليلة وانفجر الموقف في جنوب الاردن
بقيام مظاهرات معادية للحكم في عمان وكان احتجاجها على ارتفاع الاسعار والغلاء
ونقص المؤن وردد المتظاهرون هتافات معادية للاسرة الحاكمة وبالعودة من حيث أتوا
وبعضهم كان يردد شعارات تطالب بالوحدة والاندماج مع السعودية. كانت منطقة
المظاهرات هي الكرك وهي منطقة تسكنها قبائل وعشائر تتمتع فيها السعودية بنفوذ
كبير، وعمت المظاهرات جنوب الاردن كله وأدت الى اسقاط حكومة زيد الرفاعي كما أدت
الى هروب خمسمائة مليون دولار من رأس المال وانخفضت قيمة الدينار وحصلت بلبلة
وفوضى. وقصد السعوديون من هذا، اذا كنت تقصد مضايقتنا باليمن في الجنوب، فنحن
نضايقك ايضا ولكن في جنوب الاردن نفسه.
على كل حال لم يمض وقت طويل حتى بدأت الخلافات والتشققات تظهر بين أعضاء هذا
المجلس، فكل دولة تريد منافعها، وكل دولة وجدت نفسها على النقيض تماما من الدولة
الأخرى، تماما كحال مجلس التعاون الخليجي، وبالنهاية انفرط المجلس نهائيا عند
حدودث الأزمة، وعلى أي حال فهو قد ولد ميتا كما قال أحد الدبلوماسيين العراقيين.
أواخر 1989 والأشهر الأولى من عام 1990
قبل أن نتحدث عن عام 1990 والقمة التي صارت فيه، نذكر أنه بعد توقف الحرب بين
العراق وايران، تقاطرت الوفود العربية الى بغداد لتقديم التهاني بالنصر، ولم يكن
ضمن هذه الوفود وفد كويتي، وكان بعض السياسين الكويتيين والوزراء قد اشاروا على
الامير بأن يتوجه ايضا الى بغداد كما فعل غيره، لكنه كان مترددا بعض الشيء مصغيا
للرأي الذي يقول بأن العراق هو الذي يجب ان يبعث بوفد الى الكويت ليقدم الشكر
لحكومتها على المساعدات التي قدموها للعراق، لكن برز في النهاية حل وسط وهو ان
يقوم الشيخ سعد الصباح بزيارة استطلاعية قبل أن يذهب الأمير بنفسه، ويبدو انه في
التمهيد لزيارة الشيخ سعد قامت بعض الصحف الكويتية بحملة اعلامية أثارت فيها قضية
ترسيم الحدود، وحين وصل الشيخ سعد في فبراير عام 1989 كان الدور على الصحف
العراقية للرد، وكان من بين منشورات الصحف العراقية مقال له معنى خاص جدا ظهر في
جريدة القادسية، وراجت اشاعة بين اعضاء الوفد الكويتي ان الرئيس صدام حسين أملاه
بنفسه على الجريدة وكان المقال يقول: ان العراق لا يطلب فقط جزيرتي بوبيان ووربة
كما هو شائع، فهاتان الجزيرتان لم تعودا محل مناقشة لان ملكيتهما للعراق ثابتة،
ان هناك أراضي في الكويت تخص العراق، كما اتضح أن الكويت انتهزت فرصة الحرب
الايرانية العراقية وانشغال العراق بها وغيرت خط الحدود فأزاحته عن مكانه وأعادته
من جديد بعد أن قضمت معه قطعة ضخمة من أراضي العراق.
اجتمع الشيخ سعد مع عدنان خير الله - يرحمه الله - وكان وزير الدفاع في ذلك الوقت
وكانت بينهما علاقة ود، واشتكى سعد اثناء الاجتماع من اقوال الصحف العراقية وقال
انه بسببها كاد ان يغادر بغداد عائدا الى الكويت. لكن حصل والتقى مع صدام الذي
كان ودودا للغاية الى درجة أطمأن بها الشيخ سعد. ثم راح صدام حسين في هذا
الاجتماع يتحدث عن الاسطول البحري العراقي المبعثر في كل مكان وكيف أن العراق
بحاجة إلى ميناء عميق يسمح لغاطس السفن بالملاحة وأخذ يؤكد على الحاجة الماسة
لتواجد الاسطول في مياه الخليج حيث هناك اساطيل من نوع غريب وليس بينها اسطول
عربي واحد!!! فقال الشيخ سعد ان هذا الموضوع يحتاج الى تعاون كل مجموعة الخليج
ولا يظن ان هناك عقبة والمح بطريق غير مباشر الى ان الكويت يمكن ان تعطي تسهيلات
للعراق في جزيرتي بوبيان ووربة، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير وضعهما.
وكان لابد من تعزيز التفاهم بين البلدين، فجرى الترتيب لزيارة يقوم بها جابر الى
العراق، وكانت الزيارة ودية من كافة النواحي وانتهزها صدام فرصة ليقدم لجابر أعلى
وسام عراقي تقديرا من العراق لموقف الكويت أثناء الحرب مع إيران، وحاول أحد
الوزراء الكويتيين اثارة نقطة تتعلق بعقد معاهدة عدم اعتداء بين الكويت والعراق
أسوة بالتي عقدت بين السعودية والعراق والعراق والبحرين، وكان رأيه أن مثل هذه
المعاهدة تؤدي الى تطمين الخواطر، لكن تعليق الدكتور سعدون حمادي كان أنه قد يكون
من الملائم ترتيب الخطى، فتنتهي اولا مفاوضات ترسيم الحدود ثم تبحث بعد ذلك مسألة
المعاهدة.
هنا نشير إلى أمر هام جدا، وهو أن جابر وبعد دخول القوات العراقية إلى الكويت
وهروبه مع من هرب إلى السعودية، التقى في مقر إقامته فيما بعد بالطائف بعدد من
محرري الصحف المصرية، فسألوه عن زيارته للعراق قبل الأزمة، فتحدث عنها، ثم أضاف
فيما أضاف، أنه سأل الرئيس صدام حسين هذا السؤال: متى تنوي زيارتنا في الكويت؟
فعند زعم جابر أن صدام أجابه بخبث، سأزورك بعد ثلاثة أشهر، وعلق أمير الكويت على
هذه الجملة بعد أن قالها أمام محرري الصحف المصرية قائلا: بالفعل زارني بعد ثلاثة
أشهر ولكن بقواته وليس بالهدايا. وهذا الحديث بين صدام وجابر لم يحدث مطلقا وكذب
في كذب.
لماذا كذب؟ زيارة جابر كانت في شهر سبتمبر 1989، ودخول القوات العراقية كان في
شهر أغسطس 1990، يعني مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الزيارة والوعد. وهذا أكبر
دليل على أن صدام حسين لم يكن فعلا بوارد إرسال جيشه الى الكويت. صحيح كان في بال
المسؤولين العراقيين أن هذه الارض أرضنا ولا بد أن تعود ولكن ليس في تلك الفترة،
فقد كان صدام حسين مع باقي رجال القيادة العراقية يتحينون فرصة أكثر ملائمة من
تلك الفرصة.
في الاشهر الاربعة الأولى من عام 1990 تعرض العراق لأزمة مع الغرب بسبب الصواريخ
والأسلحة الكيماوية والبيولوجية ثم بسبب قضية الجاسوس البريطاني الايراني الأصل
فرزاد بهزود الذي أعدمه العراق بعد أن ثبتت عليه تهمة التجسس، ولم يستجب الرئيس
صدام حسين لمناشدات العفو عنه ومنها عربية كالعادة عندما يتعلق الأمر بغربي أو
أمريكي محكوم بالاعدام في بلد عربي، حيث يصبح الكل رؤوف وانساني وحنون. في ظل
التهديد الامريكي والغربي والهجوم الإعلامي على العراق ارتفعت الأصوات الي تنادي
بعقد القمة العربية تضامنا مع العراق لمواجهة الأخطار المحدقة به وأضاف السيد
ياسر عرفات الى فكرة القمة تحبيذ عقدها في بغداد لتكون مظاهرة تأييد للعراق في
مواجهة تهديدات أمريكية واسرائيلية ضده.
قمة بغداد في شهر مايو 1990
تتالت الردود الى بغداد تؤيد عقد القمة العربية، ووافق كل العرب على الحضور ما
عدا سوريا ولبنان، هذا بالرغم من أن الرياض والقاهرة حاولتا تأجيل عقد القمة إلى
موعد آخر.
كان أمر دمشق مفهوما ان الاسد لن يحضر القمة بعد المواجهة بينه وبين صدام في
الدار البيضاء على الرغم من أن الرئيس صدام ارسل له وزير العدل يومها محمد أكرم
عبد القادر، إلا أن الاسد عند استقباله له اعتذر عن الحضور قائلا أنه لابد من
الاعداد الجيد للقمة وإن سوريا وإن لم تحضرها لكنها تقف مع العراق بكل قوة في وجه
التهديدات الأمريكية الصهيونية.طبعا وقف اللبنانيون في صف سوريا ولم يحضروا القمة
ايضا، ولم يبد أن أحدا انزعج لعدم حضور سوريا ولبنان. في النهاية تحدد يوم 28
ايار/ مايو 1990 للانعقاد.
لن نخوض فيما دار قبل القمة من مناقشات حامية بين الوزراء المدافعين عن أمريكا
والمطالبين بعدم إدراجها بالاسم في البند الأول من جدول الأعمال وذكر
(التهديدات التي يتعرض لها العراق بدون كلمة (ألامريكية) على أساس أنه لا يمكن
توجيه الاتهام للحكومة الامريكية بسبب ما ينشر في الصحف الأمريكية.
لان الحديث عن هذه الامور مضحك مبكي بنفس الوقت، فقد تبين ان بعض العرب صاروا
امريكيين اكثر من الامريكيين انفسهم. يدافعون عن امريكا بكل ما أوتوا من سحر
اللغة والبيان حتى ليتحول أحدهم الى سيبويه العصر في اللغة العربية ومفرداتها
التي يختارها بعناية قبل اي مؤتمر.
بدأت أعمال القمة بخطاب للرئيس صدام حسين أشار فيه إن على العرب إذا ما اعتدت
أسرائيل عليهم فإن عليهم الرد والضرب بقوة وإذا استخدمت أسلحة دمار شامل فيجب
ايضا استخدام اسلحة دمار شامل ضدها وأن لا تنازل عن فلسطين.، ختم الرئيس صدام
خطابه بجمل ذات مغزى وهي ((لا يحق لكائن من يكون أن يتمتع بثرواتنا ومواردنا في
الوقت الذي يحاربنا أو يناهض تقدمنا العلمي والتكنولوجي ويجب أن نحول هذا المبدأ
الى سياسة ومفردات تطبق ويلتزم بها بصورة جماعية)) وهذا ما زاد جو القمة كآبة
فضلا عما كانت فيه من كآبة اصلا، ثم ما لبث أن أضاف (( إن الامة العربية كلها
مستهدفة والعراق او المستهدفين فهو الان في مواجهة مؤامرة أمريكية عسكرية
واقتصادية وحصار تكنولوجي وإعلامي، ويتحتم على الامة أن تتصرف على اعتبار انها
كلها حالة واحدة لأن الأعداء يعاملونها كحالة واحدة، وحتى ان استعملوا البعض منا
أحيانا ضد البعض الآخر ونحن جميعا على فوهة بركان، ولا يتصور أحد أن بمقدوره أن
يجري بسرعة ليبتعد عن مركز الانفجار أو مجرى الحمم)).
كان الصمت مخيما على الجميع، ولعله تجبنا للمشاكل حتى تمر الساعات التي كانت
بطيئة ويذهب كل في حال سبيله، فعلى ما يبدو أن كل واحد منهم كان يلعن الساعة التي
أتت به إلى هذا المؤتمر وتسببت في إحراجه مع الأمريكان.
ثم أضاف الرئيس صدام أكثر الجمل أهمية (إن الحرب لاتكون بواسطة الجنود وعلى جبهات
القتال، بل بالاقتصاد ايضا واننا نتعرض لعملية تخريب منظمة في اقتصادنا وهناك
سرقات تحدث وحدثت أثناء انشغال العراق بالحرب، ثم التفت الى شيوخ الامارت قائلا:
أنا أعلم أنه طوال فترة الحرب مع إيران كانت السفن المحملة بالسلاح تصل إلى ميناء
عبدان عن طريق دبي، ولكننا لم نتكلم في تلك الفترة وسيبقى هذا الموضوع معلقا).
وحسب شهود عيان حضروا تلك الجلسة قيل ان الرئيس صدام كان يتحدث بغضب شديد وضرب
الطاولة بقبضة يده اليمنى أكثر من مرة.
وعندما طرحت القرارات النهائية للمناقشة، بدا كما لو أن الحاضرين جميعا على
استعدا لأن يوافقوا على أي شيء في سبيل الخروج سالمين من بغداد وحتى أكثر الدول
تحفظا وافقت على أكثر القرارات عنفا، ولم يتوقفوا على أي بند أو مسمى.
حاول الملك فهد تلطيف الأجواء، فاختلى بالرئيس صدام وقال له:
لاحظت طوال المؤتمر أنك غاضب يا أبوعدي، فاجاب صدام على الفور: الحقيقة يابوفيصل
أنا أكثر من غاضب، أحسست النار تخرج من خشمي، ولكني أمسكت أعصابي، الضيق يخنق
أهلنا تحت الاحتلال والأخوان هنا ساكتون لا أحد منهم يستجيب وكل واحد وضع على
أذنيه حجارة، ثم سأله الملك فهد عن العلاقة مع الكويت، فرد الرئيس صدام: غير
قابلين بشيء حتى الان لا حصص البترول ولا تخطيط الحدود وهم الان يخربون في الداخل
عندنا يضاربون على الدينار العراقي لتخفيض سعره ويحاولون افساد ماجدات العراق
بطريقة مستفزة، وقد علت لهجة الرئيس صدام حسين وقال بغضب شديد: وردني أن أحد
دبلوماسييهم في بغداد قال انه سيأتي اليوم الذي يشتري فيه نساء العراق بعشرة
دنانير...هل يقبل هذا.. اننا سنقطع لسان من يتحدث بالسوء عن ماجدات العراق.
شعر الملك فهد بضيق نوعا ما من هذا الكلام وأبدى عدم موافقته عليه أبدا، وبنفس
الوقت أحس أن المشكلة باتت اقتصادية أكثر من اي شيء آخر فاقترح عقد اجتماع على
مستوى القمة لعدد محدود من دول الخليج بغية التوصل الى حل حازم وحاسم لقضية
الحصص، واختتم القول : كل المشاكل ميسرة ان شاء الله وعندما نجتمع سويا ومعنا
الشيخ زايد والشيخ جابر فسوف نحل كل شيء.
انتهز جابر فرصة قيام الرئيس صدام بمرافقته إلى المطار لوداعه، فقال جابر: كل
المشاكل لها حل ونحن أخوة وأول من يتفهم ظروف العراق، فرد الرئيس صدام: الحقيقة
ان العراق حائر معكم، حين نطالبكم بمساعدات تذكروننا بالديون، وحين نذكركم بحصص
البترول المتفق عليها حتى لا تنخفض الأسعار تطلبون توقيعنا على التنازل عن أراض
عراقية نحن في حاجة إليها لكي نجد منفذا إلى البحر. فقال جابر عن الديون: هل
طالبكم أحد بأن تدفعوا الديون، نحن لم نطالبكم ؟ وكان رأي الرئيس صدام أنه يجب
التنازل عنها من أجل الحصول على تسهيلات من الآخرين. وحين بدأ الرئيس صدام يتحدث
عن الحدود كان الموكب قد وصل الى المطار وكان رد جابر: لابد من تنشيط عمل اللجان.
إذا انتهت القمة وكل راح في حال سبيله
وهنا أيضا نشير إلى أمر هام، وهو أن مبارك أثناء الأزمة واستمرارا للدور الدنيء
الذي لعبه في الرقص على الجراح وتغذيتها واشعال النار أكثر مما هي مشتعلة، ذكر
امرا كان كله كذب في كذب وفي غاية الوضاعة والانحطاط. وذلك ضمن الخطابات الكثيرة
التي تفتحت قريحته على القائها بمناسبة وغير مناسبة.
وهذا الأمر يقول، انه أثناء اجتماع المجتمعين في قمة ببغداد على العشاء الذي
دعاهم إليه الرئيس صدام حسين، فإن مبارك (عند زعمه) لاحظ أن الرئيس صدام حسين
كان ينظر نظرات إلى جابر كلها (خبث ولؤم وسخرية) وأنه كان يسكب له الطعام بنفسه،
وأنه قال له : أتدري يا جابر، لقد قلت لأولادي أن ينادونك عمي جابر، وقلت لهم
اذا حصل لي مكروه يوما ما فعليكم بعمكم جابر، كما أخبرتهم أنكم إذا احتجتم إلى
شيء من الفلوس يوما ما فما عليكم اللجوء إلا إلى عمكم جابر، فهو كريم جدا.
وهذا الكلام كله افتراء ودجل وكذب، وغني عن القول ان حسني لعب لعبة قذرة في تلك
الأزمة ونفذ الأوامر الأمريكية بحذافيرها. ومن ينظر إلى صورة المدعوين على
العشاء في اليوم المذكور سيلاحظ حتما المسافة البعيدة التي كانت تفصل بين صدام
وجابر وأنهما لم يجلسا بجوار بعضهما على الاطلاق وحسب شهود عيان حضروا العشاء
وكانوا ضمن الوزراء والمستشارين العراقيين أن هذا الحديث لم يدر مطلقا. والأمر
لا يعدو كونه كذب وافتراء من افتراءات حسني الغير معدودة.
إضافة الى انه اتخذ دور المهرج في الخطابات التي كان يلقيها والتي كما يظن انه
حاول ان يضحك الحضور الذين كانوا يصفقون له بمظهر مهرجاني سخيف مقيت. فلم يجد الا
اختراع الاكاذيب عما دار بينه وبين الرئيس صدام ثم هذه الكذبة السخيفة التي
لاتنطلي الا على صغار العقول مثله او مثل من يسير في ركبه.
المؤامرة على العراق
وفي يوم 10/6/1990 انعقد اجتماع لدول الاوبك في جدة وحضره وزراء النفط في كل من
العراق والسعودية والامارات والكويت وقطر وقيل لوزير النفط العراقي يومها إن هذا
الاجتماع بديل للاجتماع على مستوى القمة، ولم يكن هذا ما فهمه الرئيس صدام في آخر
حديث له مع الملك فهد في بغداد. ثم كان أن حصلت المخابرات العراقية على نص حديث
تلفوني بين الملك فهد وأمير قطر خليفة بن حمد وكان الملك فهد يشير الى المشاكل
التي يثيرها العراق ويقول:
لا اعرف ماذا يريد صدام - سائر لمواجهة مع الاسرائيليين، نسي ما نشر ان اسرائيل
لديها 200 قنبلة نووية - نسي ما حصل لعبد الناصر - يا ليته يأخذ الدرس مما يحدث
في الاتحاد السوفييتي - والله انا اخشى أنه سوف يودي نفسه في داهية.
ثم أذاع العراق الحديث بأصوات أطرافه وكان صحيحا مائة بالمائة، وإن قال وزير
الاعلام السعودي إنه تم التلاعب ببعض أجزائه، إلا أنه كان صحيحا وكان مبعث دهشة
في بغداد.
لعله من المفيد أن نذكر أمرا هاما جدا لم ينتبه إليه الكثيرون، ولم يراجعوه عندما
حصل وهو أنه أثناء اجتماع الاوبك في فيينا في شهر يونيو 1989 لم يخف الشيخ علي
خليفة الصباح وزير النفط الكويتي رأيه في عدم الالتزام بمسألة حصص البترول، بل
وصل الأمر به أنه أدلى الى صحيفة وول ستريت جورنا بحديث نشرته في يوم 12 يونيو
1989 وكان ما قاله أشبه ما يكون بإملاء قوة عظمى تفرض شروطها دون الاكتراث بأحد
وكان من بين ما قاله ان الكويت لا تنوي الالتزام بحصتها المقررة وهي 1037000
برميل في اليوم، وانها سوف تصر على حصة مقدارها 1350000 برميل يوميا، على ان
الصحيفة علقت بعد نشر الحديث بخبر يقول ان الكويت تنتج حاليا 1700000 برميل
يوميا. ثم شن الشيخ هجوما مركزا وعنيفا على السعودية قال فيه: ان الكويت
والسعودية على طريق تصادم محقق بسبب الحصص ونحن لا ننوي التراجع، ثم اضاف جملة
أعنف من الأولى وهي: إن السعودية مثل شركة كبيرة منهارة تجري في كل اتجاه محاولة
أن تفلت من قوانين الافلاس.
وكأنه كان بهذا الكلام يردد المثل المشهور في بلاد الشام (الكلام لك يا جارة
واسمعي يا كنة). كانت السعودية ربما تستطيع ان تصبر ولكن العراق لم يكن بمقدوره
الصبر ابدا لان دخله بسبب انخفاض اسعار البترول نزل بمقدار سبعة بلايين دولار سنة
1989 وهو مبلغ يعادل المطلوب منه لخدمة ديونه في ميزانية تلك السنة. وكان العراق
يتوقع زيادة في خسائره، فقد كان انخفاض دولار واحد في سعر البرميل يعني نقصا قدره
بليون دولار في كل سنة من دخله.
على أن العراقيين الذين كانوا يرصدون كل شيء وكل تصريحات المسؤولين الكويتيين
ويضعونها في ملفات خاصة، رصدوا هذا التصريح وأضافوه الى ارشيفهم الضخم المتعلق
بهذه الدولة. على أن المسؤولين العراقيين كانوا مندهشين من سياسة التحدي الكويتي،
وبما أنهم وجدوا أن السعودية وايران في صفهم ومتضررين من هذه السياسة، فقد أخذتهم
الظنون بأن الكويت تنفذ سياسة مرسومة وهذه السياسة لا يمكن أن تستقوي على
السعودية بالذات إلا إذا كان ورائها من يحرضها ويساندها على خفض الأسعار.
كان ايضا مما التقطه العراقيون عن الكويتيين برقيات متبادلة بين الكويت وايران في
اعقاب انتهاء الحرب بين العراق وايران، كانت احدى البرقيات موجهة الى القائم
بالأعمال الكويتي في طهران تطلب منه الاجتماع مع علي أكبر ولايتي وزير الخارجية
يبلغه سعادة الكويت في توقف الحرب وانتهائها وانهم ينوون فتح صفحة جديدة في
العلاقات بين البلدين، وهل في امكان الكويت تقديم شيء لإيران يساعدها في الظروف
الصعبة التي تمر بها حاليا، ثم يرد القائم بالأعمال بأنه فعل ما طلب منه وأن أحد
مساعدي وزير الخارجية الايراني طلب منه اذا كان بإمكان الكويت تقديم كميات من
مادة الكيروسين وانها ستكون شاكرة لو استطاعت الكويت تقديمها. ثم رسالة تبلغ
القائم بالأعمال استعداد الكويت لتقديم ما تريده إيران. وكان التعليق العراقي على
هذه الرسائل هو: لماذا لم يبدأو بسؤالنا نحن عما نحتاج إليه قبل أن يسألوا ايران
؟ فعلق أحد الوزراء العراقيين قائلا: إنهم يخطبون ود العجم.
على أن هذا وللامانة والانصاف لم يكن دقيقا لأن الكويت قدمت بالفعل للمجهود
الحربي العراقي مساعدات يصعب انكارها. ويتوجب عليها خلق نوع من التوازن بين
الجارين الكبيرين.
ثم أضيف لهذا واقعة جرت أثناء زيارة سعد الصباح الى واشنطن لشراء طائرات اف 18،
فسأل أحد أعضاء اللجنة الفرعية المتخصصة بمبيعات السلاح للخارج في مجلس الشيوخ :
ماهي الضمانات التي تستطيع حكومتكم تقديمها للتأكيد على أن هذه الطائرات لن
تستخدم ضد إسرائيل بواسطتكم أو بواسطة طرف عربي آخر يحصل عليها منكم ؟ فرد عضو
الوفد الكويتي دون تفكير قائلا: إننا نريد هذه الطائرات للدفاع عن أنفسنا ضد
جيراننا ولا نريد استعمالها ضد إسرائيل !! وصل هذا الكلام بحرفيته إلى آذان
العراقيين واعتبروا أنفسهم هم المقصودين بهذا الكلام.
كان يمكن لهذه الحوادث وغيرها أن تمر وكان يمكن التجاوز عنها لو أن جو العلاقات
بين البلدين يسمح لهما بحوار لا تحكمه عقد التاريخ والجغرافيا، ومع ذلك فإن هذه
العقدة بقيت قائمة وعلى ما يبدو أنها لن تنتهي ابدا.
حال الكويت قبل الأزمة
قبل أن نتحدث عن بدايات الأزمة، لعله من المفيد ان نتحدث قليلا عن الكويت قبل
دخول الجيش العراقي اليها، وكيف كان حالها. كان عقد آل الصباح مع السكان يقضي
بتقديم الحماية فقط، حرس فقط، دون الاشتغال بالتجارة، لكن اكتشاف البترول وتدفق
الأموال جعل الموازين تختل بين الحراسة والتجارة، اصحبت عوائد البترول بأيدي
الحراس واصبحوا هم من يوزع على من يشاؤون ويمنعون عمن يشاؤون وفاضت الثروة
بأيديهم وراحوا يتصرفون في ثراء لم يكونوا يحلمون به وليسوا على استعداد له، وقد
خيل اليهم في وقت من الاوقات ان البلاد صارت بمن فيها وما فيها وما بها وما عليها
ملكا شخصيا لهم، ذلك أن عوائد البترول تركزت في أيديهم فالدولة هي الأسرة والأسرة
هي الدولة - والواقع وللانصاف يمكن أن يقال أن هذا الوضع لم ينطبق عليهم وحدهم
فقط، بل انطبق على جميع الأسر الحاكمة في الخليج دون استثناء -.
كما ان الفقر له مشاكله فالثراء له مشاكله أيضا، واصعب مشاكل الثراء حين يكون
مقترنا مع الضعف وحالة ما يسمى الانكشاف الكامل ومن جميع الجوانب والاتجاهات.
كانت التركيبة السكانية في الكويت عجيبة غريبة، فقد كان تعداد السكان في الكويت
قبل دخول الجيش العراقي يبلغ مليونين نسمة مقسمين الى فئات هي في حقيقة أمرها
طبقات، فقد كان عدد السكان العرب الاصليين في الكويت (اي مواطنوا الدرجة الأولى)
620 الف نسمة، وعدد البدون يقرب من 300 الف نسمة والباقون اي حوالي مليون ومائة
الف نسمة هم ما يطلق عليهم لفظ الأجانب أي بمسمى آخر الوافدين الذين لا يحق لهم
الحصول على الجنسية الكويتية إلا بمعجزة مثل العرب والاسيويين وباقي الجنسيات
التي جاءت أصلا للعمل، والاف مؤلفة من ابناء هذه الجاليات ولد على أرض الكويت
وعاش فيها. على أن هذا التركيب الطبقي العجيب خلق تناقضات يمكن اغفال أثرها، صحيح
أن فرص العمل كانت متاحة للجميع ولكن التفاوت المريع في الدخول كان من شأنه أن
يزرع في قلب المجتمع اسبابا للقلق الاجتماعي الذي بدا يظهر بوضوح شديد.
وفي الحقيقة ان التركيبة السكانية في الكويت باتت هرما اجتماعيا لا يظهر على سطحه
- بتأثير الرخاء الظاهري - ما يدور في داخله بسبب التناقضات من حساسيات ومشاكل.
وكانت قمة الهرم بالطبع هي الاسرة الحاكمة ثم يأتي بعدها طبقة كبار التجار من
عائلات الكويت الأصلية وهم من العرب واكثر من تسعين بالمائة منهم من البصرة في
العراق ونشأت بين الاثنين علاقات شد وجذب مردها أن التجار يعتبرون الشيوخ موظفين
للخدمة العامة بما في ذلك الحاكم نفسه الذي كان يتقاضى راتبا شهريا قدره مليون
دينار.
ثم راح وهم الاستقلال يتبدد يوما بعد يوم ذلك ان الاعتماد على القوى الخارجية بات
خيارا لا مفر منه، وقد بدت سياسة التسليح الكويتية مضيعة للوقت والجهد والمال،
وكانت الاشكالية ان السلاح الذي يشتريه الكويتيين بعشرات البلايين من الدولارات
لا يستطيع الصمود امام تهديد خارجي وفي نفس الوقت لا يصلح لمواجهة اي تهديد داخلي
فالطائرات والصواريخ لا تصلح لفض مظاهرات ولا لمواجهة معارضة، ناهيك عن ان الكويت
صرفت قبل دخول الجيش العراقي ما يقرب من 22 مليار دولار على التسليح لم تستفد منه
بشيء حين حاول افراد جيشها مواجهة رجال الجيش العراقي.
ثم اضيف هذا كله أثره الى الشخصية الكويتيه التي راحت تتمسك بمقولة انها متميزة
عن غيرها ولها خاصية فيها مهما كانت الظروف، وانهم يعتبرون انفسهم شعب الخليج
المختار، فلهم الثقافة والعلم والفن والثروة والرفاهية والرخاء ولبلادهم العز
والسؤدد، ولغيرهم الفقر والجهل والمرض والوباء. وساعد على ذلك بالطبع أن الغنى
الفاحش المحاط بالفقر المدقع يورث أصحابه نوعا من التكبر والتعالي يمكن أن يحسب
كنوع من التجبر والتسلط، وكانت الكويت بالنسبة للآخرين بلد اصاب أهله وحكامه
التجبر والتعالي والغرور بلا مبرر حقيقي، وهذا ما خلق حساسيات شديدة بينهم وبين
باقي العرب، فحتى هؤلاء الذين كانوا يحاولون فهم مشاكل الكويت ويتعاطفون معها
شعروا بتكبر هذه الشخصية.
القسم الثاني
أحداث ما قبل دخول الجيش العراقي الى الكويت
قبل بداية الأزمة عام 1990 كان العراق خارجا من حرب ضروس نتيجة
العدوان الفارسي عليه الذي تزامن بعد أشهر من ثورة الخميني على الشاه عام 1979،
واللافت انه حين قامت الثورة في إيران ظن الخميني ان الشيعة في العراق سيثورون
على الحكم في بغداد ويقيمون أيضا جمهورية على غرار جمهورية إيران، وارسل الخميني
رسالته الشهيرة إلى الرئيس صدام حسين اختتمها بالعبارة المشهورة (والسلام على من
أتبع الهدى) (وغني عن القول لمن كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يستخدم هذه
العبارة في خواتيم رسالاته الى الملوك والامراء عندما دعاهم الى اعتناق الإسلام)
وحين قرأ الرئيس صدام حسين هذه الجملة ثارت ثائرته وأحس بالغضب الشديد منها قائلا
بكل عصبية:
شنو هذا يعني.. إحنا كفار.. هو بس المسلم وإحنا كفار.. الله يلعن.......)وقامت
الحرب بين البلدين واستمرت حتى عام 1988 صمد فيها الجيش العراقي صمودا اسطوريا
واستطاع تحرير جميع الأراضي التي احتلها الفرس في بداية العدوان.
دول الخليج قدمت الدعم للعراق، لكنها لم تفعل هذا حبا بالعراق او بصدام حسين
شخصيا وانما لخوفها من وصول تيار الثورة الخمينية الى أراضيها مما يعني الاطاحة
برؤوس الشيوخ والامراء الجالسين بكل وداعة واسترخاء في قصورهم على شواطيء الخليج،
لاسيما وأن دول الخليج فهيا عدد لا بأس به من الشيعة لم يخف بعضهم غبطته لقيام
ثورة الخميني بل وصل الأمر ببعض تجار الخليج المشهورين أن وضع صورة على طول
الحائط في منزله للخميني، حتى جاء من يطلب منه إزالتها بأمر الحاكم شخصيا قائلا
له: إن الخير الذي أنت فيه من الشيخ.... وليس من الخميني، (حين زار شاه إيران
الكويت قبل أن ينهار حكمه بسنوات، قامت الجالية الايرانية في الكويت بفرش الطريق
من المطار إلى حيث مقر إقامته بالسجاد العجمي الفاخر كي تسير عليها سيارته وذلك
في إشارة لافتة للنظر إلى قوة نفوذ الجالية الايرانية في دولة واحدة هي الكويت
والى الثراء الذي تتمتع به) لذلك قدمت الحكومات الخليجية الدعم للعراق بمختلف
أنواعه. على أن الحاكم الخليجي الوحيد الذي كان مستاء من الحرب ومحذرا منها كان
الملك خالد - يرحمه الله- الذي جاء لمجلسه يوما ما فوجده مكتظا بالأمراء
والمستشارين والوزراء جالسين يتحدثون عن الحرب الدائرة بين العراق وإيران وكانت
لا زالت في بداياتها، فجلس صامتا لم يتحدث ابدا بينما الحاضرين منهمكين في أحاديث
جانبية، ثم ما لبث أن قال ( وربما تموت الافاعي من لدغ العقارب) وكان هذا القول
يغني عن كل حديث.
وحين توقفت الحرب خرج العراق بجيش لا يمكن الاستهانة به أبدا، جيش خاض حربا لمدة
ثماني سنوات، ولكن بنفس الوقت بإقتصاد عليه عبء كبير وديون أكبر والاف الشهداء
والارامل والمعوقين وجرحى الحرب وذوي العاهات المستديمة. كان لا بد من عائد يحقق
شيء من التوازن بين الايرادات والمصروفات.
قيام مجلس التعاون الخليجي عام 1981
لو استعرضنا بنظرة سريعة قيام مجلس التعاون الخليجي لراينا أنه تجمع أغنياء
خائفين على ثروتهم يجمعهم هم واحد وهو الأمن، فقد كان السلام الظاهر على شواطيء
المنطقة وهما والعمران المتزاحم على بعض البقع سرابا والنشاط البادي داخل هذه
البقع وعلى أطرافها قلقا وخوفا أكثر منه طمأنينة، وتلك حالة طبيعية عندما يكون
هناك كنز مدفون، ويكون لهذا الكنز صاحب يمكله ومطالب به يدعيه ومستفيد منه يعرف
قيمته ثم يجد الثلاثة معا أن التظاهر أدعى وأولى لتحقيق الرجاء:
فصاحب الكنز يتظاهر بالأمان حتى لا يتجرأ عليه غيره إذا استشعر خوفه والمطالب
بالكنز يتظاهر بالصبر والأناة يداري بهما العجلة واللهفة، والمستفيد من الكنز
يتظاهر بأنه يعطي أكثر مما يأخذ ويحمي الكنز من الطامعين فيه وهم محيطون به من كل
ناحية.
قام المجلس الذي جمع الدول الست فيما عرف بعد باسم مجلس التعاون الخليجي، لكن
قرارات وتوصيات هذا المجلس بقيت حبرا على ورق حتى يومنا هذا، ولعل الأمر الوحيد
الذي اتفقوا عليه بشكل دوري هو قيام بطولة كرة القدم كل سنتين، أما مسألة توحيد
العملة والقوات المسلحة والمجلس النيابي والوزاري وغيرها من اللجان التي اتفقوا
عليها فقد بقيت كلاما انشائيا بدون تنفيذ. ولا يخفى على أحد الحكومات الهشة التي
كانت تحكم تلك الدول، والخلافات العميقة بين كل دولة على حدة، خلافات امتدت من
اسطبلات الخيول ومرمى كرة القدم الى غرف نوم الحكام أنفسهم.
وكان كل طرف يرى نفسه أنه افضل من غيره، فالسعوديون مثلا يرون أن لهم خاصية
تميزهم عن غيرهم، ألا وهي خدمة الحرمين الشريفين، كما يرون أن دولتهم تمتد الى
البحر الأحمر ولديها حدود مجاورة لبلاد الشام ولديهم سكان أكثر من غيرهم وبالتالي
هم حماة طبيعيين للخليج وأهله، عدا عن التاريخ العريق الذي تتمتع به دولتهم،
واسرتهم تعتبر من الأسر العريقة والأصيلة في المنطقة، وبنفس الوقت ينظرون الى
القطريين على أنهم دخلاء على قطر وهم أساسا من قبيلة تميم السعودية الأصل، بينما
يعير القطريون السعوديين بأنهم نسبوا الدولة إلى أنفسهم وجعلوا الشعب تابعا لهم.
ولا تختلف نظرة آل سعود الى الكويتيين كثيرا عن نظرتهم إلى آل ثاني، فهم يعرفون
ويعلمون علم اليقين كيف نشأت دولتهم، ولا تتعدى نظرة آل سعود اليهم على أنهم
مجموعة من التجار أنشأ لهم الانجليز دولة، والى فترة قريبة كان بندر بن سلطان
يمازح أصحابه عندما يريد استخدام الحمام بقوله ( عفوا أنا ذاهب الى الكويت لأقضي
حاجتي!!!!) بينما ينظر آل الصباح اليهم على أنهم أسرة متسلطة عزلت نفسها عن الشعب
واستأثرت بالثروة والسلطة. ونفس النظرة تقريبا متبادلة بين شيوخ الامارات وسلطان
عمان الذي كان إلى فترة ليست بالبعيدة يعتبر تلك الأرض تابعة له وكان اسمها ساحل
بحر عمان، ويرى في قرارة نفسه هؤلاء الشيوخ على أنهم مجموعة من المتطفلين أنشأوا
بالفلوس تاريخا لنفسهم وأوجدوا لهم كيان كان جزء من أراضي السادة ال البوسعيد
الذين لهم الشرف (حسب نظرته) بأن صراعهم الأزلي كان مع القراصنة البرتغاليين في
البحر الأحمر، ولا تختلف نظرة أهل البحرين الى الدول الأخرى، على أن البعض ينظر
الى هذه المشيخة الصغيرة جدا والتي بالكاد ترى على الخريطة على أنها المكان
المفضل للعربدة وشرب الخمر واللهو مع النساء لباقي أهل الخليج الذين لا يتوفر في
بلادهم ما يتوفر في البحرين من ملاهي وفنادق حتى أطلق عليها البعض اسم (دويلة
الخمارات).
ولعل أبلغ وصف كاريكاتوري معبر عن هذا الواقع الهش هو ما تخيله أحد رسامي
الكاريكاتير العرب الراحلين حين قيام هذا المجلس، فقد تخيل شيوخ وأمراء الخليج
وهم واقفين بصف واحد يبتسمون ويضحكون لبعضهم البعض وأيديهم على ظهور بعضهم تعبيرا
عن التكاتف والتعاضد، بينما يصور الجانب الخلفي للصورة كل واحد منهم بيده سلاح
يحاول أن يقتل به الآخر، فهذا بيده سكين والثاني سيف والثالث مسدس والرابع قنبلة
والخامس فأس والسادس بندقية. وعلق أحد الصحفيين العرب المشهورين يوما ما على هذا
المشهد بأن كل واحد منهم يتمنى أن يرى الثاني على الخازوق كي يشمت به !!!!!.
وبقي هذا المجلس الى يومنا هذا رغم الخلافات الحادة التي نشأت بين أعضائه حتى كاد
ينفرط عقده في مرحلة من المراحل.